مجموعة مؤلفين

118

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

هنالك . فخليتها معي وخرجت لخلوتى على عادتي فمررت بقريتى ، فتعرّض لي الكلاب ومنعوني الجواز حتى خرج من القرية من حال بيني وبينهم . ولما وصلت لخلوتى جاءتني الغزالة على عادتها . فلما شمّتنى نفرت عنى وأنكرت علىّ . فقلت : « ما أتى علىّ إلا من أجل هذه الدراهم التي معي . فلقيت الأندلسي فدفعتها إليه . ثم مررت بالقرية في خروجي للخلوة فدار بي كلابها وبصبصوا على عادتهم . وجاءتني الغزالة فشمّتنى من مفرقي لقدمى ، وأنست بي كعادتها . وبقيت كذلك مدة ، وأخبار سيدي أبى يعزى ترد علىّ وكراماته يتداولها الناس وتنقل إلىّ . فملأ قلبي حبه . فقصدته مع جماعة الفقراء . فلما وصلنا إليه أقبل على الجماعة دونى ، وإذا حضر الطعام منعني من الأكل معهم . وبقيت كذلك ثلاثة أيام . فأجهدنى الجوع وتحيرت من خواطر ترد علىّ . ثم قلت في نفسي : « إذا قام الشيخ من مكانه أمرّغ وجهي في المكان » . فقام ، ومرّغت وجهي . فقمت وأنا لا أبصر شيئا ، وبقيت طول ليلتي باكيا . فلما أصبح ، دعاني وقرّبنى . فقلت له : يا سيدي ! قد عميت ، ولا أبصر شيئا . فمسح بيده على عيني ، فعاد بصرى . ثم مسح على صدري فزالت عنىّ تلك الخواطر وفقدت ألم الجوع ، وشاهدت في الوقت عجائب من بركاته . ثم استأذنته في الانصراف نيّة أداء الفريضة ، فأذن لي وقال : ستلقى في طريقك الأسد فلا يرعك ، فإن غلب خوفه عليك فقل له : بحرمة يلنور إلا انصرفت عنى . فكان الأمر كما قال » . وفي هذه الوثيقة الذاتية يكشف لنا أبو مدين عن حقائق عدّة : أولها أنه كان قبل أن يسلك الطريق يحسّ عن طريق الحيوانات بأنه مهيّأ لتحقيق رسالة صوفية خاصّة ، وأنه يفهم لغة الحيوان ، وبينه وبين الحيوان أنس لا يتأتى إلا لأصحاب المواهب الروحية الخارقة . وهي لمحة فريدة نجد لها نظيرا عند القديس فرنشسكو الأسيزى الذي تألف ذئب جوبيو وخاطبه ، وكان يناجى الطيور . والأخبار عن تفاهم أبى مدين مع الحيوانات والطيور عديدة . فإلى جانب حياة الألفة التي كان يحياها مع تلك الغزالة في خلوته ، وأنس كلاب